ابن عربي

41

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

من يوم الخروج من المدينة ، فلما كان بسرف حاضت عائشة رضي اللّه عنها ، وكانت قد أهلّت بعمرة ، فأمرها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن تغتسل ، وتنقض رأسها ، وتمتشط ، وتترك العمرة ، وتدعها وترفضها ، ويدخل منها ، وتدخل على العمرة حجا ، وتعمل جميع أعمال الحج ، حاشا الطواف بالبيت ما لم تطهر ، وقال عليه السلام وهو يشير للناس : « من لم يكن معه هدي فلا يعتمر ، فمنهم من جعلها عمرة كما أبيح له ، ومنهم من تمادى على نية الحج ولم يجعلها عمرة أصلا » . وأمر عليه السلام في بعض طريقه ذلك كل من كان معه هدي أن يهل بالقرآن ، بالحج والعمرة معا ، ثم نهض عليه السلام إلى أن نزل بذي طوى ، فبات بها ليلة الأحد لأربع خلون من الحجة ، وصلى الصبح ، ودخل مكة نهارا ، من أعلاها ، من كداء ، من الثنية العليا ، صبيحة يوم الأحد المذكور المؤرخ ، واستلم الحجر الأسود ، وطاف صلى اللّه عليه وسلم بالكعبة سبعا ، ورمل ثلاثا منها ، ومشى أربعا يستلم الحجر الأسود والركن اليماني في كل طوافه ، ولا يمس الركنين الأخيرين اللذين في الحجر ، وقال بينهما : « رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ » . ثم صلى عند مقام إبراهيم عليه السلام ركعتين ، يقرأ فيهما مع أم القرآن : قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ، والإخلاص ، وجعل المقام بينه وبين الكعبة ، وقرأ عليه السلام إذا أتى المقام قبل أن يركع : وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى ، ثم رجع إلى الحجر الأسود فاستلمه ، ثم رجع إلى الصفا فقرأ : إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ ابدأ بما بدأ اللّه به ، فطاف بين الصفا والمروة أيضا ، راكبا سبعا على بعيره ، يخبّ ثلاثا ، ويمشي أربعا ، إذا رقا على الصفا استقبل القبلة ، ونظر إلى البيت ووحّد اللّه وكبّره ، وقال : « لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا إله إلا اللّه وحده ، أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده » ، ثم يدعو ، ثم يفعل على المروة مثل ذلك ، فلما كمّل الطواف والسعي عليه السلام أمر كل من لا هدي معه بالإحلال حتما ، ولا بد قارنا كان أو مفردا ، وأن يحلّوا الحل كله من وطء النساء والطيب والمخيط ، وأن يبقوا على ذلك إلى يوم التروية ، وهو يوم منى ، فيهلّوا حينئذ بالحج ، ويحرموا حين ذلك عند نهوضهم إلى منى ، وأمر من معه من الهدي بالبقاء على إحرامه . وقال لهم عليه السلام : « لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي حتى اشتريته ، ولجعلتها عمرة ، ولأحللت كما حللتم ، ولكنني سقت الهدي فلا أحل حتى أنحر الهدي » .